ابن الجوزي

15

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

يملكهم أرضه ، ويسوس بهم عباده ، ويقيم بهم حدوده ، ويجعلهم رعاة عباده ، وقد أصبحت في هذا المقام الَّذي أنا به غير راغب فيه ، ولا منافس عليه ، ولكنها إحدى الربق اعلقها الواهق مساغ المزدرد ومخرج النفس ، ولولا أن الخلافة تحفة من الله كفر باللَّه [ خلفها ] [ 1 ] لتمنيت أني كأحد المسلمين يضرب لي بسهمي . فعلى رسلكم بني الوليد ، فإنّي شبل عبد الملك ، وناب مروان ، لا تظلعني حمل النائبة ، ولا يفزعني صريف الأجفر . وقد وليت من أمركم ما كنت له مكفيا ، وأصبحت خليفة وأميرا ، وما هو إلا العدل أو النار ، وليجدني الممارس لي [ 2 ] أخشن من مضرس الكذاب ، فمن سلك المحجة حذي نعل السلامة ، ومن عدل عن الطريق وقع في وادي الهلكة والضلالة . ألا فإن الله سائل كلا عن كل ، فمن صحت نيته ولزم طاعته كان الله له بصراط التوفيق ، وبرصد المعونة ، وكتب له بسبيل الشكر والمكافأة ، فاقبلوا العافية فقد رزقتموها ، والزموا السلامة فقد وجدتموها ، فمن سلمنا منه سلم منا ، ومن تاركنا تاركناه ، ومن نازعنا نازعناه . فارغبوا إلى الله في صلاح نياتكم وقبول أعمالكم ، وطاعة سلطانكم ، فإنّي والله غير مبطل حدا ، ولا تارك له حقا حتى أنكثها عثمانية عمرية ، وقد عزلت كل أمير كرهته رعيته ، ووليت أهل كل بلد من أجمع عليه خيارهم واتفقت عليه كلمتهم ، وقد جعلت الغزو أربعة أشهر ، وفرضت لذرية الغازين سهم المقيمين ، وأمرت بقسمة صدقة كل مصر في أهله إلَّا سهم العامل عليها ، وفي سبيل الله ، وابن السبيل ، فإن ذلك لي وأنا أولى بالنظر فيه ، فرحم الله امرأ عرف منا سهو المغفل عن مفروض حق أو واجب فأعان برأي ، وأنا أسأل الله العون على صلاحكم فإنه مجيب السائلين ، جعلنا الله وإياكم ممن ينتفع بموعظته ، ويوفي بعهده فإنه سميع الدعاء ، وأستغفر الله لي ولكم . ذكر طرف من أخباره وسيرته [ 3 ] أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك ، ومحمد بن ناصر ، قالا : أخبرنا أبو الحسين بن

--> [ 1 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل ، أوردناه من ت . [ 2 ] « لي » : ساقطة من ت . [ 3 ] في الأصل : « أخباره وسيره » . وما أوردناه من ت . وانظر ترجمته في : تاريخ الطبري 6 / 546 ، والكامل 4 / 311 ، ومروج الذهب 3 / 184 . وفوات الوفيات 2 / 14 .